ابن عطية الأندلسي

235

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

قوم الرتبة الأولى هي اتقاء الشرك والكبائر والإيمان على كماله وعمل الصالحات والرتبة الثانية هي الثبوت والدوام على الحالة المذكورة والرتبة الثالثة هي الانتهاء في التقوى إلى امتثال ما ليس بفرض من النوافل في الصلاة والصدقة وغير ذلك وهو الإحسان وقال قوم الرتبة الأولى لماضي الزمن والثانية للحال والثالثة للاستقبال وقال قوم الاتقاء الأول هو في الشرك والتزام الشرع والثاني في الكبائر والثالث في الصغائر قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه وليست هذه الآية وقفا على من عمل الصالحات كلها واتقى كل التقوى بل هو لكل مؤمن وإن كان عاصيا أحيانا إذا كان قد عمل من هذه الخصال الممدوحة ما استحق به أن يوصف بأنه مؤمن عامل للصالحات متق في غالب أمره محسن فليس على هذا الصنف جناح فيما طعم مما لم يحرم عليه وقد تأول هذه الآية قدامة بن مظعون الجمحي من الصحابة رضي الله عنه وهو ممن هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه عثمان وعبد الله ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدرا وعمر وكان ختن عمر بن الخطاب خال عبد الله وحفصة ولاه عمر بن الخطاب على البحرين ثم عزله لأن الجارود سيد عبد القيس قدم على عمر بن الخطاب فشهد عليه بشرب الخمر فقال له عمر ومن يشهد معك فقال أبو هريرة فجاء أبو هريرة فقال له عمر بم تشهد قال لم أره يشرب ولكن رأيته سكران يقيء فقال له عمر لقد تنطعت في الشهادة ثم كتب عمر إلى قدامة أن يقدم عليه فقدم فقال الجارود لعمر أقم علي هذا كتاب الله فقال له عمر أخصم أنت أم شهيد قال بل شهيد قال قد أديت شهادتك فصمت الجارود ثم غدا على عمر فقال أقم على قدامة كتاب الله فقال له عمر ما أراك إلا خصما وما شهد معك إلا رجل واحد قال الجارود إني أنشدك الله قال عمر لتمسكن لسانك أو لأسوأنك فقال الجارود ما هذا والله يا عمر بالحق أن يشرب ابن عمك الخمر وتسوءني فقال أبو هريرة إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد فسلها وهي امرأة قدامة فبعث عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها الله فأقامت الشهادة على زوجها فقال عمر لقدامة إني حادك فقال لو شربت كما يقولون لم يكن لك أن تحدني قال عمر لم قال لأن الله تعالى يقول * ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ) * الآية فقال له عمر أخطأت التأويل إنك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم عليك ثم حده عمر وكان مريضا فقال له قوم من الصحابة لا نرى أن تجلده ما دام مريضا فأصبح يوما وقد عزم على جلده فقال لأصحابه ما ترون في جلد قدامة قالوا لا نرى ذلك ما دام وجعا فقال له عمر لأن يلقى الله وهو تحت السياط أحب إلي من أن ألقاه وهو في عنقي وامر بقدامة فجلد فغاضب قدامة عمر وهجره إلى أن حج عمر وحج معه قدامة مغاضبا له فلما كان عمر بالسقيا نام ثم استيقظ فقال عجلوا علي بقدامة فقد أتاني آت في النوم فقال سالم قدامه فإنه أخوك فبعث في قدامة فأبى أن يأتي فقال عمر جروه إن أبي فلما جاء كلمه عمر واستغفر له فاصطلحا قال أيوب بن أبي تميمة لم يحد أحد من أهل بدر في الخمر غيره وقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد " أي ليختبركم ليرى طاعتكم من معصيتكم وصبركم من عجزكم عن الصيد وكان الصيد أحد معايش العرب العاربة وشائعا عند الجميع منهم مستعما جدا فابتلاهم الله فيه مع الإحرام أو الحرم كما ابتلى بني إسرائيل في أن لا يعتدوا في